تغيير الوزير الأول: بين متطلبات التغيير ومقتضيات التقييم ومخاطر التكرار.
تقضي المسؤولية السياسية لحزب سياسي مؤمن بأداء دوره السياسي من منطلق الخيارات التي ينتهجها أن يمارس واجب الرقابة السياسية ضمن الأطر التي يتحرك فيها، وعليه فإن عمل الحكومة وأداءها يشكل جزء من المهمة الرقابية عبر الأدوات البرلمانية المتاحة والممكنة، ومن هذا المنطلق وقبل إصدار أي تعليق سياسي أو تقني على التعديل الحكومي الأخير المرتبط بإنهاء مهام الوزير الأول السيد نذير العرباوي من مهامه وتكليف وزير الصناعة السيد سيفي غريب كوزير أول بالنيابة لمرحلة لم تحدد بآجال قانونية، فإنه ينبغي التذكير بمجموعة من المنطلقات المبدئية لقراءة واقعية سليمة لسياق هذا التعديل.
يجب أن يعلم الجميع أن التحديات التي نعيشها داخليا وكذا الوضع العام المحيط بنا خارجيا، لا يسمحان بالاستمرار في تكرار الأخطاء والتمادي في تضييع الفرص وعدم الاعتبار من الواقع الإقليمي والدولي الهش والمترصد.
وكنا قد عبرنا على ذلك من خلال كل الأدبيات والبيانات والمواقف الصادرة عن مؤسسات الحركة، وبخاصة تلك الصادرة عن المجموعة البرلمانية، والتي ركزت باستمرار على ضرورة إضفاء الشفافية اللازمة على قواعد الممارسة السياسية والأداء الاقتصادي ومتابعة التطور الاجتماعي في اتجاهاته الإيجابية والسلبية، وبضرورة تدارك الوضع وعدم اعتماد سياسات ظرفية تفاقم الأزمات وتكرس الاختلالات.
إن قراءة السياقات العامة التي تصنعها الأحداث والقرارات والممارسات السلطوية، متصلة بالاختلالات الحاصلة في بيئة الحكم الطاردة، حيث عبرنا عن جزء منها في الرؤية السياسية التي قدمناها بمناسبة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعددنا مظاهر الاختلال وضياع الفرص بكل موضوعية وعلمية، وتقدمنا حينها ببرنامج “فرصة” الذي عالجنا فيه من وجهة نظرنا تداعيات تلك الإخفاقات والاختلالات على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال طرح حلول ترتكز على التخطيط والاستشراف والمعرفة واليقظة الاستراتيجية.. عبّرنا مرارًا من منطلق فهمنا لدور المعارضة على أن تقييم الحكومة ينبغي أن يمر عبر الآليات الدستورية والإجراءات القانونية المتعارف عليها في كل الديمقراطيات التقليدية والحديثة والمتمثلة في عرض مخطط عمل الحكومة وبيان السياسة العامة وفق الإجراءات المنصوص عليها في المواد 106 و111 من الدستور، ومن خلالها يمكن إصدار أحكام تقييم دقيق لأداءها وحصر إنجازاتها ودراسة آثارها، وهذا لا ينتقص من الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية في تعيين الحكومة أو إعفائها، بل يعزز هذه الصلاحيات بسند شعبي وبرلماني واقعي وحقيقي يثبت نجاعة أداءاها أو ضرورة إعفاءها.
خلال كل المناقشات المختلفة لقوانين المالية وبعض القوانين السيادية، حرصنا على الإشارة بجرأة ومسؤولية، إلى الفجوة والتناقض بين المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تقدّمها الحكومة، والوضع العام لهذه القطاعات ميدانيا وواقعيا واجتماعيا، وكان ذلك كلـه من منطلق المسؤولية السياسية في تجسيد القواعد الديمقراطية في تكريس التدافع السياسي الذي يعمل على تقليص مختلف الفجوات ويصحح الأخطاء ويجنب البلاد مختلف التأثيرات السلبية للتحديات الضاغطة.
تبعا لما تم الإشارة اليه فإن التعديل الأخير منصب الوزير الأول، و بعيدًا عن الملابسات التقنية والدستورية التي تكتنفه فإنه ينبغي أن يدفع نحو الإجابة على التساؤلات السياسية الملحة، والتي تقود إلى حماية البلاد من عواقب الإخفاقات المكلفة، ويزيل كل مبررات صناعة الاحتقان الاجتماعي ويقلص من منسوب انسداد الأفق السياسي والاقتصادي، ويعالج أزمة الثقة المتسعة ويكبح جماح التيئيس والعزوف، ويوحد جهود مواجهة الاستهدافات الداخلية والخارجية، ويعيد الاعتبار للعملية السياسية القائمة على الربط بين المساءلة والمسؤولية..
كما نؤكد على ضرورة الإسراع في معالجة حالة الركود السياسي والتردد الاقتصادي الذي يطبع العديد من الممارسات السلطوية، وأن التغيير قبل أن يستهدف الأشخاص والمناصب، ينبغي أن يستهدف السياسات والتوجهات و يعالج الرؤى والنظم، ويعمل على إصلاح بيئة الحكم ويقوي عروة الثقة وأن يتطلع إلى بناء جزائر صاعدة 🇩🇿 ضمن بيئة عالمية متغيرة ومضطربة، ولن يتسنى ذلك إلا ببناء حالة إجماع وتوافق واسع يحشد الطاقات ويستثمر المقدرات، ويحقق الاستقرار ويحمي البلاد، ويكون ذلك من خلال:
1️⃣إصلاح سياسي شامل عبر حوار وطني جامع تشارك فيه كل الفواعل السياسية والاجتماعية يهدف إلى بلورة توافق سياسي وطني يضع حدًا للارتجال ويؤسس لخيارات واضحة وواقعية. ويفعل الآليات الدستورية لتقييم الأداء الحكومي وجعل عرض مخطط عمل الحكومة وبيان السياسة العامة للحكومة أمام البرلمان محطة دورية ملزمة. ونشر تقارير شفافة حول تنفيذ البرامج وتقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
2️⃣صياغة رؤية اقتصادية شاملة ومتكاملة ومستدامة تركز على التنويع الاقتصادي، وتشجيع القطاعات المنتجة خارج المحروقات. وتحفيز الاستثمار الوطني والأجنبي ضمن بيئة قانونية مستقرة ومناخ أعمال تنافسي، والحد من كل مظاهر البيروقراطية وإصلاح الإدارة ومحاربة البيروقراطية والإسراع في برامج إدماج الرقمنة في الخدمات العمومية لتقليل الفساد والرشوة.
3️⃣توفير بيئة إيجابية للكفاءات والإطارات الوطنية وحمايتهم من الضغوط التي تحد من حرية المبادرة وربط المسؤوليات بالمحاسبة على أساس مؤشرات أداء واضحة وواقعية.
4️⃣تعزيز الأدوار الدبلوماسية للجزائر ضمن سياقات وقائية واستشرافية متقدمة والتقليص من هامش الإحجام وسياسية النأي بالنفس لتجنب التباطؤ في مواكبة التحولات، وإعادة تفعيل شبكة علاقات خارجية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وكذا تفعيل الدور الجزائري في حل النزاعات الإقليمية لمنع أيّد تداعيات أمنية على الداخل.
5️⃣إطلاق مشاريع إصلاح المنظومة القانونية والتشريعية الناظمة للحياة السياسية والجمعوية والانتخابية والإعلامية بما ينعش أداء المؤسسات المجتمعية ويضمن تكريس الشفافية وتكافؤ الفرص السياسية.
6️⃣فتح الإعلام العمومي للنقاش الحر والمسؤول حول قضايا الإصلاح والحوكمة.
إن المسؤولية الوطنية تفرض التنازل عن التصورات والرؤى الحزبية أو الفردية، لصالح بناء رؤية جامعة، في ظل ما تمر به البلاد من تحديات متشابكة تتوزع بين ما هو سياسي يرتبط بالأداء العام لمختلف السلط والمؤسسات الدستورية المتسم بالارتباك والتردد وغياب الرؤية وضعف أطر الحوار الشامل حول الخيارات السياسية الكبرى، وتحديات اقتصادية واجتماعية لها صلة بحالة الإخفاق الإداري والتسييري في الوصول إلى رؤية اقتصادية شاملة ومستدامة تتجاوز الحلول الظرفية المتسرعة، والتي كثيرًا ما تساهم في تعميق الأزمات والمشكلات وإثارة صعوبات جديدة، وأخيرًا محاولة استغلال بعض الأطراف المتربصة لتوجيه الرأي العام الوطني إلى نقاشات ثقافية لا تشكل أولوية مرحلية بقدر ما تساهم في تعميق الانقسامات المجتمعية الملهية، وبين ما له علاقة بالملفات الدبلوماسية الضاغطة التي تفرض نفسها كإكراهات تتمحور حول التوتر الذي تشهدها العلاقات الجزائرية 🇩🇿 – الفرنسية 🇲🇫، نتيجة إصرار الجانب الفرنسي على انتهاج السلوك الاستعلائي وعدم احترام منطق السيادة التامة، وتحركات مجموعة من الدول الوظيفية المتورطة في تأجيج ودعم التوتر وسعيها إلى تحريك تحديات أمنية في الجوار المغاربي والإفريقي لها أثارها على الأمن والاستقرار.
أ. عبد العالي حساني شريف | رئيس الحركة.
